الفيض الكاشاني

162

علم اليقين في أصول الدين

خير ، لو رفع ذلك الشرّ لبطل الخير الذي في ضمنه ، وحصل ببطلانه شر أعظم من الشرّ الذي يتضمّنه . فالخير مراد لذاته ، والشرّ مراد لغيره ؛ والمراد لذاته قبل المراد لغيره ، ولهذا قال تعالى « 1 » : « سبقت رحمتي غضبي » . فغضبه إرادته للشرّ بالعرض ، ورحمته إرادته للخير بالذات ؛ فالآن إن خطر لك نوع من الشرّ لا ترى تحته خيرا ، أو خطر لك أنّه كان تحصيل ذلك الخير ممكنا - لا في ضمن الشرّ - فاتّهم عقلك القاصر في أحد الخاطرين : إمّا في قولك : « إنّ هذا الشرّ لا خير تحته » ؛ فإنّ هذا ممّا تقصر العقول عن معرفته ، ولعلّك فيه مثل الصبيّ الذي يرى الحجامة شرّا محضا ، أو مثل الغبيّ الذي يرى القصاص شرّا محضا ، لأنّه ينظر إلى خصوص شخص المقتول ويراه في حقّه شرّا محضا ، ويذهل عن الخير العامّ الحاصل للناس كافّة ، ولا يدرى أنّ التوسّل بالشرّ الخاصّ إلى الخير العامّ خير محض لا ينبغي للخيّر أن يهمله . أو اتّهم عقلك في الخاطر الثاني ، وهو قولك : « إنّ تحصيل ذلك لا في ضمن ذلك الشرّ ممكن » فإنّ هذا أيضا دقيق غامض ؛ فليس كلّ ممكن ومحال ممّا يدرك استحالته وإمكانه بالبديهة ، ولا بالنظر القريب ، بل ربما عرف بنظر دقيق غامض يقصر عنه الأكثرون . فاتّهم عقلك في هذين الخاطرين ، ولا تشكّن أصلا في أنه أرحم الراحمين ، وأنّه « سبقت رحمته غضبه » .

--> ( 1 ) - راجع ما مضى في الصفحة : 83 .